
لندن ـ| في محاولة بدت شديدة الابتذال، تطوّعت الحكومة البريطانية لشدّ عزم إسرائيل في عدوانها المرتقب ضدّ إيران، عبر توجيه اتهامات إلى الجمهورية الإسلامية بـ»إثارة القلاقل» في المملكة المتحدة. وبعد يوم على دعوة رئيس الوزراء البريطاني، السير كير ستارمر، المجتمع الدولي إلى «تكاتف الجهود ضد النظام الخبيث في إيران، والذي يدعم وكلاء له عبر الشرق الأوسط، بمن فيهم حزب الله وحماس»، استغلّ المدير العام للاستخبارات البريطانية الداخلية (إم آي 5)، كين ماكالوم، مناسبة سنوية لجهازه أقيمت في تايمز هاوس في وسط لندن، للتحذير ممّا تواجهه الاستخبارات البريطانية من تهديدات بوتيرة وحجم غير مسبوقَين من إيران وروسيا، فضلاً عن إشارته إلى عودة ظهور تنظيمات إسلامية متطرفة، من مثل «داعش» و»القاعدة». وقال ماكالوم، خلال عرض تحديثه السنوي للتهديدات الأمنية التي تواجهها المملكة، إن جهازه أحبط ما لا يقل عن 20 مؤامرة مدعومة من طهران «شكّلت تهديدات قاتلة محتملة للمواطنين البريطانيين»، منذ بداية عام 2022.
وفي ما اعتبره مراقبون سلوكاً تقليدياً للحكومات التي يشكلها «حزب العمل»، مذكّرين بالبهلوانيات التي قامت بها الاستخبارات البريطانية إبان عهد رئيس الوزراء الأسبق، توني بلير، للتهويل من خطر محدق آتٍ من العراق، زعم ماكالوم أن بلاده أحبطت مؤامرة إيرانية تلو الأخرى، وأن «الاستخبارات البريطانية على دراية تامّة بإمكان أن تؤدي الأحداث في الشرق الأوسط بشكل مباشر إلى أعمال إرهابية في المملكة المتحدة». وتعهّد مدير الـ»إم آي 5» بتركيز جهود جهازه على خطر توسّع «العدوان الإيراني» على المملكة، مشيراً إلى أن السلطات اعتقلت رجلاً في كانون الثاني الماضي، كان ينفّذ عملة استطلاع ضد مقر «قناة إيران الدولية» التي يديرها معارضون إيرانيون مدعومون من الموساد الإسرائيلي وأجهزة استخبارات غربية. وسبق للقناة المذكورة أن أعلنت نقل عملياتها «على مضض» إلى الولايات المتحدة، بعد تزايد المخاوف المتعلقة بسلامة صحافييها العاملين في لندن.
زعم جهاز الاستخبارات البريطانية الداخلية أن لندن أحبطت مؤامرة إيرانية تلو الأخرى
وإلى إيران، لم ينس مكالوم التذكير بأن المملكة المتحدة تواجه تهديدات إرهابية من روسيا أيضاً، إذ قال: «إلى جانب مؤامرات الاغتيال والتخريب المدعومة من الدولة الروسية، على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا، فإن الاستخبارات الروسية صعّدت من هجماتها على المملكة المتحدة، على الرغم من طرد غالبية الموظفين الديبلوماسيين في سفارة موسكو في لندن». وتوقع المزيد من «الأعمال العدوانية» من قبل روسيا، ومحاولات ستقودها لتوليد الفوضى في الداخل البريطاني كما على البر الأوروبي، «بما في ذلك أعمال الحرق العمد والتخريب والهجمات الإلكترونية والتجسس ومحاولات الاغتيال»، كاشفاً عن رفع مستوى التنسيق الأمني مع الشركاء الأوروبيين لمواجهة ذلك. وبينما استبعد تنسيقاً مباشراً بين روسيا وإيران لتنفيذ هجمات إرهابية ضد بلاده - أقله حتى الآن -، فإن مكالوم قال إنه يرى أنساقاً متشابهة في أساليبهما لاستهداف المملكة، مضيفاً أن الروس والإيرانيين «استثمروا بكثافة في عمليات الاستخبارات البشرية، وفي القدرات السيبرانية المتقدمة»، وأنهم، بسبب الرقابة اللصيقة على ديبلوماسييهم، يلجأون إلى توظيف وكلاء «من مهرّبي مخدرات دوليين إلى محتالين من مستوى منخفض» لارتكاب أعمال عنف «قذرة» ضد المملكة المتحدة، بحسب زعمه. وتابع أن جهازه ألقى القبض على «بعض هؤلاء المتآمرين بينما كانوا يحاولون الحصول على أسلحة نارية ومتفجرات»، أو أنهم كانوا في «اللحظات الأخيرة من التخطيط لعمليات قتل جماعي».
وتوجه مكالوم بالتحذير «إلى أولئك الذين قد يفكرون في القيام بمثل تلك المهام»، من أنهم «إذا أخذوا أموالاً من إيران أو روسيا أو أي دولة أخرى للقيام بأعمال غير قانونية في المملكة المتحدة، فسوف يواجهون القبضة الثقيلة لجهاز الأمن القومي، وسيكون خيارهم سبباً للندم». ولم يشر بالطبع إلى الدوافع الكامنة لدى كل من موسكو وطهران للسعي إلى استهداف المملكة المتحدة بهذا الشكل، لكنّه اعتبر أن «القمع الذي يمارسه النظامان في الداخل ينعكس عدواناً متزايداً ضد الخارج». كذلك، لفت إلى أنه ثمة إشارات إلى «تهديد متزايد» متأتٍ من سعي تنظيمات إسلامية متطرفة، مثل «القاعدة» و»داعش»، إلى استغلال الأوضاع في الشرق الأوسط واستئناف تصدير الإرهاب نحو الغرب، متحدثاً عن أن أكثر من ثلث تحقيقات جهازه ذات الأولوية القصوى، لها صلة بامتدادات لتلك التنظيمات، وأن بلاده تتعاون مع العديد من الشركاء الأوروبيين للتصدي لها وإحباط جهودها مبكراً.
وبينما قال مراقبون في لندن إن تحذيرات مكالوم تأتي في إطار السعي إلى توسيع دائرة تقبّل البريطانيين لتوجهات حكومة ستارمر في دعم موقف تل أبيب في شأن استهداف إيران والقضاء على تهديد نووي محتمل من ناحيتها، فإن آخرين قالوا إن خطابه أقرب إلى محاولة بائسة لاستخدام التهويل من بيئة تهديدات معقدة، سعياً لتعظيم موارد جهازه خلال عملية مراجعة الإنفاق العام التي تقوم بها الحكومة لأغراض سدّ العجز المتراكم. واستدلوا على ذلك بأن المدير العام لـ»إم آي 5» لم يلق خطاباً في الموعد السنوي المفترض العام الماضي، على الرغم من ارتفاع حدة الاشتباك الديبلوماسي في حينه مع كل من روسيا والصين، والاتهامات للدولتين بممارسة أنشطة تجسّسية واستهداف معارضين لهما على الأراضي البريطانية.

